
الجزء التاني
عند ام عيسى من الاسباب ما يجعلها تنسبه الى ناصر ، عاشت زهرة لسبع سنوات دون خلف ، وطلبت الطلاق لعدة مرات كانت تختلف فيها مع زوجها كامل ، حتى هجرت فراشه لتنام وحدها في العلية المقابلة لعلية ام عيسى !
فجأة حملت زهرة بعد قدوم ناصر شقيق زوجها من العراق ليعيش في بيت العائلة ، يقال ان الزوج كامل يعرف ان عزات هو ابن شقيقه ! كون زهرة هجرت فراشه !
دافعت زهرة عن نفسها لمرة واحدة امام قسوة كلمات ام عيسى لها !
زهرة : حاسبينه علي زوج !! انا عايشه معاه زي اخته يا ام عيسى ! ارحميني ! في واحده بتتحمل زوج عيره !
كان كامل يعرف الحقيقة ، ويراعي الصمت كونه يعاني العجز الجنسي الكامل ، ويرى في صمته حفاظا لكرامته رغم مرمغتها بخيانة زهرة له ! الخيانة اقل وطأة من فضح امر عجزه الجنسي !
لم تتوقف ام عيسى عن طعن زهرة بالكلمات ! حتى سطعت شمس نهار ، قدم به اخوة زهرة ثائرين ثورة الاسود على الفريسة ، لكن زهرة استبقت هذه اللحظة الخطرة ، وانسلت ليلا هي وابنها وعشيقها ناصر وغادرت الحارة دون ان تعرف وجهتها .
طارق اجمل شباب الحارة واروعهم ، اجمل ما عشت من مشاعر حياله خبأتها بين اجفاني المطبقة على اروع صورة ، ابحر في ذكراه ، واغوص في اعماق نفسي الساكنة الى طيفه الجميل ، ليتني ما شاهدته اليوم ! فجر بي بركان فصولي ،لعينة الصدف ، كم تلعب بعواطفنا ، ما العنك يا صدفه ، نقبت بذكرياتي ، وقلبتي جمر صمتي ، كيف تدفعين ببوحي الان ؟
قالها اخيرا هو الاخر ! كيف تجرأ على البوح في لقاء عابر !
قال احببتك يا دعاء بجنون ، وكتمت سري احتراما لشقيقك زياد صديق عمري، خشيت ان تهتز صورتي بعينيه لو علم بمشاعري !
وانا خشيت غضب والدي وعصبيته وكتمت حبي يا طارق ! كانت تحدثني دعاء وهي فرحة، لاول مرة اجدها منطلقة اللسان !
دعاء: اتدرين أن طارق كان هو الاخر يحبني بصمت ؟ كان يبادلني ذات المشاعر ، بخجله وخجلي اضعنا قصة حب كان لها أن تثمر اولادي من طارق بدل زوجته !
هل انت نادمه الان ؟
دعاء : لم اسأل نفسي هذا السؤال ، يكفي انني عرفت في النهاية انني كنت حبيبته !
وما فائدة المعرفة الان ؟
دعاء : فعلا لا فائدة لكنه الغرور ! يكفيني انني عشت عمري على ذكراه مكتفية بمشاهدته يمر من تحت المشربيه ، احرسه بقلبي وعيوني حتى يغيب في دهليز بيتهم ، ارقب نافذته حتى يطفىء نور غرفته وينام ، لانام وعيوني تحتضن صورته.
هل ما زال وسيما في عينيك بعد هذه ا لسنين ؟
دعاء : اختلف شكله الان لكن صورته مطبوعة في خيالي ، فيه من وسامة الماضي ، حتما تغير كثيرا ، ازداد بدانة ، اصبح اصلع الرأس ، لكن وسامة وجهه وخجل عينية ما زالا على ذات المقدار ، ما زال رائعا ووسيما في نظري .
تحملين كل هذا الوفاء وهو في حضن سواك ، حبك جنون في جنون !
دعاء : وهل اروع من جنون الحب ، قلبي لم يخفق يوما لسواه ،ما زال قلبي متعلقا بطقوس حبه ،استحضرة ، ارقبه يعبر الحارة كل ليلة عائدا اليّ ، الى عيوني ليتأرجح في خيالي ، وينام على راحة يداي.
لم يكن بينكما شيئا ايتها المجنونه !
دعاء : كان بيننا الحب ودفء الحارة .
صراخ وعويل لاطفال صبري في الحارة يستصرخون المارة ، صبري يضرب زوجته مليحة ويشدها الى الشارع .
صبري رجل معاق، عقليا وجسديا ، زوجته مليحه …مليحة بحق ، يستغرب من يراها كيف قبلت الزواج من صبري المعتوه ، وانجبنت منه سبعة اولاد وبنات ، تعيش معه في غرفة واحده ، لا تتعدى مساحتها المتر في المترين ، ينام الاولاد ورأسهم في عتبة الغرفة ، يعتاشون من عمله عتالا في سوق خان الزيت ، يوصل المشتريات والخضار للبيوت في اعلى العقبات ، يكد طوال النهار، مقابل قروش قليلة، تكفي اسرته زاد يومهم المتواضع ، غالبا ما يعتاشون على هبات الجيران .
من اول ليلة زواج، شهدت عروسه مليحة ، اول طوشه حامية الوطيس، وقعت بينه وبين ام زوجته ، لانها احتجت على فراش ابنتها القديم ، السرير لم يعجبها هو الاخر، قديم اكلة الصدأ ، طرد صبري ام واهل عروسه ، وكاد ان يطرد عروسه ، لولا تدخل اهل الحارة، وعلى رأسهم ام عيسى .
اطفاله الليلة يستصرخون ويستغيثون بأم عيسى، وحدها القادرة على جنونه ! تأتي ام عيسى على وجه السرعة ، تلبس ملاءتها في الشارع !
صبري : عليّ الطلاق ما بتمي في داري لو تيجي مليون ام عيسى ، روحي رجعيه زي ما الله خلقك ! في مرة بتقص شعرها دون اذن زوجها ؟
مليحة : يا مقمل ، قصيته من القمل وقلة المية ، القمل اكلني اكل الله اكبر يا عالم على هيك عيشه !
صبري : بحملك الميه من بيار الحرم عشان تتحممي انشاء الله اخر حمامك
مليحة: الميه اللي بتحملها من الحرم يا دوب نطبخ ونشرب فيها ، الدار اكلها القمل والبق من قلة المية والنظافه
صبري : هذا الباقي ، اعتل ميه عشان تشطفي الدار عنك ما شطفتي ، ماله القمل مش عيب !
مليحة : مهم اللي جوزوك ظلموك الله ينتقم منهم خطيتي بس.
ام عيسى : صلي على النبي يا صبري،و خلينا نتفاهم عيب صوتكم جاي لاخر الحاره .
صبري : يلعن ابو الحارة ، انا بهمنيش حد
ام عيسى : يا عيب الشوم علي ما بستحوا عيب يا صبري
صبري : عيب عليكي انت ! شو دخلك فينا انا بضرب مرتي وحر فيها
ام عيسى : بقولك عيب تضرب ام عيالك استهدي بالله واخزي الشيطان يا زلمه عيب
صبري : انا حلفت يمين طلاق ما بترجع داري غير لما ترجعه زي ما الله خلقها
ام عيسى : صار للخرى مره وبحلف بالطلاق ! شو هو اللي ترجعه يا اهبل؟ مهي قصته واخلصنا ،ان طحيتها مين بدو يقبل فيك؟ ولا يقوم في اولادك؟ اهدى واعقل .
صبري : يميني بنزلش الارض ، هلا بدها تروح تجيب رجالها من الخليل ، يجوا يشوفوا بنتهم الفالته بتقص شعرها وجوزها بعرفش طرطور !
ام عيسى: معاك حق كان لازم تستشيرك ، بس الليله اقصروها وخليها في غرفتها، عيب فين تروح في الليل، عيب بحقك، انت بتفهمش بالاصول يا صبري ؟
صبري : انا كلمتي كلمة بكرمش لحد خلص يا ام عيسى بلاش اقلب عليكي انت كمان .
ام عيسى : بدك تضربني انا كمان يا صبري ؟ يا عيب الشوم عليك انت صاير ما بتستحي ، خالع برقع الحيا
صبري : ام عيسى روحي حلي عنا انت قليلة الحيا
مليحه : الله يقل قيمتك ومقامك شو مجنون
ام عيسى : اسكتي انت يا مليحه انا بتحمله زي ابني
صبري : هلا بسب ابوكي وابوها خلص كلكم اطلعوا من داري
مليحه : ستين عين يصيبوا جنونك هو انت في عندك دار ؟ فاكر غرفتك دار ؟
ام عيسى : والله معاك حق يا مسكينه ، صابره ومستوره ويا ريت عاجبه !
صبري : هو انت يا عجوزة السو جاي تصلحي ولا تردحي على الطلاق ما بتموا في داري اطلعوا بره
مليحه : عين تطرقك شو قليل حيا الله يقلل قيمتك كمان ، كل ما الناس احترمتك بكبر راسك يا زوج عره انت
عيسى : بدي اقطع باقي شعرك يا قليلة التربايه يا فالته مفش رجال تضبك !
ام عيسى : انا غلبت معكم واتبهدلت ، اصطفلوا انت واياه بدي اروح
الاولاد : خليكي من شان الله يا جده ام عيسى هلا برجع بضربها
مليحه : ما اتخافوش والله لو يمد ايده لاكسرها
صبري : انا تضربني مره ؟
مليحه : اللي زيك بنضربوا وبنطردوا كمان…… حملت مليحة المكنسه من خلف الباب وهوت فيها على صبري وهي تنعته بالمجنون السايق الجنون على الشيطنة والهبل ، طردته الى حضير الدار وهي تنهال عليه بالشتائم ، مليحة تنفجر لاول مرة ، تستجمع قواها وتعلم صبري درسا في رد الضرب .
ام عيسى : خرجك يا صبري ، لانك ما خليتش للصلح مطرح ، بهدلتنا وبهدلت حالك الله لا يردك.
مليحه : خلص طاف السم على قلبي! مش قادره اتحمل جنونه وهبله !
هرب صبري من تحت ضربات المكنسة الى الحارة وهو يصرخ ويتوعد ، اخرج موسه الكباس من جيبه، وقضى الليل يسن الموس على حجر قبالة رجال الحارة الجالسين في مقهى مغيبو ….في انتظار ان يلتفت احدهم اليه ليردعه عن استخدام الموس ، الا ان ام عيسى سبقته باشاعة الخبر !
لا جديد في فضاء الحارة او عتمتها ، ام عيسى على العين ، العابرون الى الحارة على قدرالمغادرين ، بيوت مغلقة وهموم مفرقه ، على رأي ام عيسى ، شو صورتك اياك ، واللي بنام فيه بنصبح عليه! رحاب تلك الجميلة الصغيرة ،ابنة ام علي، من تعرضت لمحاولة اغتصاب من مسن دنيء ، ادخلت مستشفى الامريكان في الحارة ، تعاني السخونة الشديدة ، والوهن بادن عليها ، همس كثير في الشفاه ، والدتها ام علي لا تنطق بكلمة البته ! اصابها الصمت ، وحدها خالتها ام احمد من تتكلم ، وترد الكلام في افواه تعلك سيرتها ، كل ذلك ووالدها في رحلة عمله سائقا لشاحنة على خط بغداد ، الكل يتعجل شفائها قبل عودته ، رحاب دلوعته المحببه ، والله اعلم بما سيحصل لو وصله طراطيش كلام ! قدمت ام عيسى الى مستشفى الامريكان، وبيدها قنينه كازوزه فارغه ، عبأتها ببول ابنه ابنها عيسى ، همست في اذن ام علي، وام احمد، بضرورة شرب رحاب لهذا البول من حفيدتها الطفلة البكر ! لا يزيل النجاسة الا النجاسة قالت ام عيسى ! ما كشف عن معرفتها بالموضوع بكامل تفاصيلة ! كيف وممن لا احد يدري ! شربت رحاب بول الطفلة البكر دون ان تعي ما هو المشروب ، ودعت ام عيسى ام احمد وام علي لقراءة الفاتحة كفاتحة خير لعمر جديد لرحاب وقبل ان تهم بالخروج تمنت شرب ليمونادة رحاب واحمد قريبا . نظرت الاخوات ام علي وام احمد الى بعضهما البعض ، ام احمد مستغربة ! وام علي متمنيه !ما بستر العود الا قشوره قالتها ام عيسى قبل ان تغادر ، ورحاب تنظر بعينيها الغائرتين ، تسترحمهم بحالها !شهر مضى على عمر الجريمة بحق رحاب ، كبرتها تجربتها المرة خلال الشهر عشر سنوات فوق عمرها ، وحرمتها من ان يكون لها اي رأي ! تقبل كل ما تختارة لها خالتها ووالدتها دون نقاش او جدال ، تغتال احلامها بصمت وكأنها هي من اجرم ويستحق العقاب .مع حضور والد رحاب من العراق ، اعلنت خطوبتها على احمد ابن خالتها ، تمت قراءة الفاتحة ،على ان يعقد القران بعد عام، لحين بلوغ رحاب انوثتها ! ما سد السنة علكت وخاضت في احتمالية حملها بفعل الاغتصاب ، رغم ان الداية ام صدقي اعطت صك السلامة لبكارتها !

يحتضن سور القدس كل احياء الحارة الشمالية ، امتدادا من بوابة العامود مرورا ببوابة الساهرة ( الزاهرة ) حتى باب الاسباط ، ويتتم السور تسوير واجهة لكثير من الدور الملاصقة له .
موقع الحارة يعد استراتيجيا كونها المنفذ الوحيد للخروج والدخول الى البلدة القديمة، ان اغلقت الابواب الرئيسية ، اعتاد الجيش الاردني على اغلاق بوابة العامود بشكل كامل عند الساعة الثانية عشرة ليلا ، وابقاء الباب الصغير لبوابة الساهرة مفتوحا لبعض العمال والموظفين العاملين في الصحف والفنادق والمستشفيات ليلا ، قد تغلق الابواب نهارا في اجواء الاضطرابات والاحتجاجات والتظاهر ، لتصبح الحارة منفذا للهروب عبر البيوت والاسوار .
شعور بالامان يمنحه السور للسكان ، مع وجود ثكنات الجيش على الاسوار ، ثكنة فوق بوابة الخليل ، وثكنة فوق بوابة العامود ، وثكنة فوق بوابة الساهرة ، لا يفارقها الجنود ليل نهار ، وكأننا نعيش في قلعة من قلاع صلاح الدين ، بخاصة وان الجنود يستحكمون خلف فتحات في السور، يراقبون كل صغيرة وكبيرة ، قبالتهم في القدس الغربيه ، يكشفون المنطقة الحرام المعزولة بسور بني بعد النكبة، قسم القدس الى قسمين اكبرهما محتل ، القدس الغربية بمبانيها العريقة والمشاهدة من الحارة ، والقسم الاخر هوالقدس الشرقية ،البلدة القديمه، ومحيطها وهو لا يتعدى ربع مساحة القدس التاريخية .
جو الامن والامان المعاش في الحارة، سرعان ما انقلب الى حالة حرب ورعب مفاجىء ، في ليلة صيف من ليالي العام خمسة وستين، ولاول مرة منذ انتهاء حرب فلسطين بالنكبة والنزوح عام ثمانية واربعين ، تتعرض الحارة لقصف مفاجىء بعد منتصف الليل اصاب عشرات البيوت الملاصقه للسور ، هكذا دون سابق انذار او استعداد للجنود وللسكان .
لا ملاجىء نأوي اليها ! بيوتنا مكشوفة تماما لمواقع الجيش الاسرائيلي قبالتنا في مبنى النوتردام التاريخي، والمستشفى الفرنسي ، المحولان الى مواقع عسكرية اسرائيليه ، هبط السكان على عجل ورعب من الاعالي الى بيوت الدرج ! كل يحمل اطفاله يداريهم من زخ الرصاص المفاجىء ، ارادة الهية حمت سكان الحارة ! وخرج الجميع دون اصابات تذكر ، سوى اصابات نالت جدران الغرف واتلفت اثاث بعض البيوت !ربع ساعة من القصف ، مرت على ليل الحارة ، ادخلت رعبا وخوفا الى انفسنا لم نعشه ، خاصة نحن الصغار من لم نشهد حرب فلسطين ! بقينا في بيت الدرج حتى بزغت شمس نهارنا ، وهو نهار شكل مفصلا في وعينا وفكرنا .
ضباط كبار من جهاز الدفاع المدني قدموا في ساعات الصباح الباكرالى الحارة، حضروا للمعاينة ، سجلوا الخسائر ، ولم يستطيعوا تقديم اجوبة لاستفسارات كبار رجالات الحارة عن اسباب القصف ؟
قيل ان الملك حسين بات لاول مرة في قصره المنشىء حديثا في ضاحية بيت حنينا ، فارادت اسرائيل تذكيره ان القدس ليست له !
الواعون المسيسون فندوا هذه المزاعم بالنفي، كون القصر الملكي لم يكتمل بناءه بعد !
لكن الملك حسين وبحسب ما نشرته واكدته الصحف في اليوم التالي ، الملك حسين نام فعلا في فيلا مستأجرة على مقربة من القصر .
الاراء اجمعت على ان استهداف الحارة بالقصف هورسالة واضحة من اسرائيل للملك حسين .
بدء ت اجواء الحرب تسيطر على الاهالي، حيث بادر العديد منهم على الفور بتحصين البيوت ، باضافة الاباجورات والابواب الحديديه لتصد الرصاص .
حراك سياسي طفى على السطح ، نشط المسيسون في الحارة لتوعية السكان ، وكثر الحديث ، ليتغلب حديث الرجال في المقاهي على حديث الاناث في البيوت !
انقلاب في الحارة ، ومشاحنات بين المسيسين كل يفرض وجهة نظره السياسيه ، القوميون كانوا الاغلب ، فالشيوعيون ، وقليل من حركة الاخوان .
الاستاذ فريد القادم لتوة من مصر يتعرض لضرب مبرح على ايدي شباب قومين في مقهى ( مغيبو) فريد يشتم علانية الرئيس جمال عبد الناصر وكل القومين العرب !
غشيم قالت ام عيسى ! لا يعرف كم تحب الحارة عبد الناصر… صورة تزين جدران الغرف حتى السقف كيف يشتمه ؟
ظهر الاستاذ فريد لمرة واحدة في الحارة وعلامات الضرب بادية على وجهة، خطب خطبة الجمعة، في جامع الشيخ لولو وسط حشد من اطفال الحارة ، تلاميذ الكتاب ، ما اغضب بعض الاهالي ! كمنوا له في مقهى مغيبو عله يأتي ؟ الا انه لم يظهر البته قيل انه غادر الى السودان .
حزن وترقب في الحارة ، الى ما سيعقب الغارة الاسرائيلية ، هل هي مجرد مناوشات? ام سيليها ليالي قصف اخرى ؟ اوضاع اقتصادية سيئة بدأت تخيم على مناحي الحياة ، وتنغص على السكان عيشهم ، ما من مصانع او ورش تستوعب العمالة ، البطالة تتفشى في اوساط الخريجين ، مقهى مغيبو يمتلىء بالعاطلين عن العمل بل والوظائف ،الفقر سيد المشهد ، المظاهرات تعم القدس ، يصل لهيبها ذروته باستشهاد شابين على درجات بوابة العامود ، تأججت و استمرت الاحتجاجات اكثر، واتسعت حملة الاعتقالات .
بقي الوضع على حالة من التوتر لا امل بوجود مخرج للاحوال المترديه .
الحل عند البعض كان في السفر الجماعي لشباب الحارة ، للعمل في التدريس في الكويت والسعوديه .
شدوا الرحال وقد سنحت الفرصة بوجود وظائف في كلا البلدين ، خلت الحارة من النواة الصلبة للمسيسين والناشطين ، بقي الفتية والعمال المهنيون .
حزن وحسرة على من هجروا الحارة ، لا حاجة لعيون المخبرين ، من بقي لا يفهم بالسياسة ، يستمع الى الراديو ولا يفهم ما تقولة الاخبار ! فقط يفهمون ان الوضع على كف عفريت، وان الرئيس جمال عبد الناصر يستعد لخوض الحرب ، ويستعد للدفاع عن اي دولة عربيه قد تتعرض لاعتداء من اسرائيل .
اسرائيل تتحرش في الاردن وسوريا ، وتعلن عزمها عن تحويل مياه نهر الاردن اليها !
المياة شحيحة تكاد لا تكفي لسقاية البشر ، اسرائيل مش امصليه ولا على نبي ! يقول البسطاء ان تحدثوا في السياسة .
قرار مفاجىء للحكومة الاردنية ،يقضي بنقل كافة الصحف التي تصدر في القدس الى عمان ! ما يعني طرد العاملين بها الى الشارع وفقدانهم لمصدر دخلهم الوحيد.
حزن عم الحارة على الاسر وقد فقدت مصدر رزقها ، خمس عائلات كثيرة الاولاد تفقد رزقها في ظرف لحظه ! ليضاف الى هموم الحارة هموما اخرى .
حركة غير اعتيادية للجيش على الاسوار ، يصعدون الى اعالي السور يرقبون طائرة تحلق عاليا فوق القدس ، بتنا نشاهد الجنود يرتدون خوذاتهم باستمرار ، والنواظير لا تنزل من ايديهم ! فجأة شاهدناهم يطلقون النار من رشاش مضاد للطائرات صوب طائره ! وتعاد رشقات المضاد عدة مرات .
ثلاثة ايام من التصدي للطائرة ، انتهت بمظاهرة فرح عارمة اندلعت فجأة عند بوابة العامود شاهدنا خلالها احد الجنود محمولا على الاكتاف ، يهتفون لبطولته في اسقاط الطائرة ، ورجال الامن يمنعون التظاهرة من الخروج الى خارج الاسوار حيث الجيش الاسرائيلي يكشف الشوارع خارج السور .
تلت عملية اسقاط الطائرة التي لم نشاهد حطامها ، عملية تسلل اسرائيلية في المنطقة الحرام ! قيل أن اسرائليين تسللا ووصلا الى السور بهدف التسلق عند بوابة العامود فاطلقت النار عليهما ونزل الجنود اليهما بهدف الاعتقال .
احداث تتلاحق وما من احد يفسر لنا ما يحصل هل نحن مقبلون على الحرب ؟ لا استعدادات تشير الى ذلك ! المدفعية الوحيدة المنصوبة في ملعب الامريكان فوق بوابة الساهرة ما زالت وحيده ، ننظرها منذ كنا في كتاب الشيخة سند قبالتنا ، وقد اكل هيكلها الصدأ !
اعداد الجنود على الاسوار كما هي ، واحد في ثكنتة باعلى السور يرقب القدس الغربيه ، وواحد يرقب بمنظاره القدس الشرقيه قبالته ، حارة النصارى ، وحارة السعديه ، وجندي يأتي بالطعام بأوعية حديدية يحملها من ثكنة باب الخليل يتنقل بها عبر الاسوار ، وبقية الجنود عادة نشاهدهم يؤدون الصلاة جماعة ، اذن لا حرب تلوح في الافق !
في نهار جديد من ايام العام سته وستين ، وتحديدا في 2 تشرين الثاني اذاع راديو عمان ان بلدة السموع الى الجنوب من الخليل على الخط الفاصل بين فلسطين المحتلة عام ثمانية واربعين والضفة الغربية تتعرض لعملية اعتداء اسرائيلية، بدأت ألعمليّة حوالي ألساعة ألخامسة و النصف صباحا عندما أجتازت ألحدود وحدة من ألجيش ألأسرائيلي و دخلت بلدة ألسموع بحجّة أنّ ( ألمخرّبين) الفدائيين ألفلسطينين، كانوا ينطلقون منها للقيام بعمليّات مسلّحة ضدّ اسرائيل!
قام رجال بلدة السموع بالتصدّي للجيش ألأسرائيلي بالعصيّ و ألحجارة للمدرّعات ألأسرائيليّة ألفولاذيّة !
رد ألجيش ألأسرائيلي بقسوة على هذا التصدي بنسف ألعديد من بيوت بلدة السموع .
و في ألساعة ألسادسة صباحا وصلت قافلة آليّة من ألجيش ألأردني جنوبا بأتّجاه بلدة السموع و أتّبعت ألشارع ألضيّق الوحيد ألّذي يربط مدينة الخليل بسائر بلدات قضاء ألخليل ، أستنجدت ألقوّات ألأسرائيليّة المعتدية بسلاح ألجوّ ألأسرائيلي و خلال دقائق فقط برز في ألسماء أربع طائرات ميراج 3 حربيّة اسرائيليّة، قامت في ألحال بتدمير ألمدرّعات والاليات الاردنيّة واحدة في المقدمة وواحدة في مؤخّرة تلك ألقافلة ألعسكريّة ألأردنيّة .
و هكذا و جدت ألقوّات ألأردنيّة أنّها وقعت في ألفخّ ألأسرائيلي حيث
لم يكن بأستطاعة تلك ألسريّة ألأردنيّة ألأستمرار في ألتقدّم باتّجاه
السموع بسبب ألطريق ألضيّق جدّا .
طلبت ألقوّات ألأردنيّة دعما جوّيّا لمواجهة طائرات ألميراج 3 ألأسرائيليّة
و خلال دقائق برز في ألسماء طائرتان من طراز هوكر هنتر تابعتان
لسلاح الجوّ ألأردني , و دارت في ألحال معركة جوّيّة بين ألطائرات ألحربيّة ألأردنيّة و ألطائرات ألحربيّة ألأسرائيليّة أسفرت عن أسقاط طائرة هوكر هنتر أردنيّة ، و رغم محاولة ألطيّار ألنجاة بنفسه عن طريق هبوطه بالمظلّة ، فقد قامت ألطائرات ألأسرائيليّة بأطلاق صاروخ موجّه على جسد ذاك ألطيّار مّا أدّى ألى تطاير جثتة .
هذه التفاصل التي وردت في الاخبار الهبت المشاعر واججتها ،ما أخرج الجميع الى الشوارع بمظاهرات عارمة بطول الضفة وعرضها احتجاجا وامتعاضا ، وحزنا على الشهداء والجرحى من الجنود والطيارين واهل السموع .
كان للحارة المساحة الاكبر للاحتجاج ، ولعدد الضحايا من الشهداء والجرحى من الحارة وخارجها ، لم تهدأ الاوضاع حتى فرض منع التجول الصارم ! فرضه جيش البادية الذي استدعي من شرقي النهر ليسيطر على موجة الغضب .
كل شيء يتغير في الحارة ، حزينة ذابله ، لكأنها عجوز شاخت وغافلها الزمن ! رتابة في الحياة ، ولا جديد تحت شمسها البارده ، الحارة تعاني ! من الطفل الى الكبير ،لا اغاني لعبد الحليم تصدح ، لتفرح الصبايا ، اصبحن كمرايا غادرها الابتسام ، هل هي معركة السموع وما تركته من غيمات الحزن وسواد المشهد ؟ ام هو رحيل الشباب الى الكويت والسعوديه ؟
ما من استقبالات لنساء الحارة ! كانت تلتقي فيها لتفرح وتتسامر ، الحزن يسكن الحارة ، والفقر يستوطن البيوت .
ما زال شبح الحرب يرعب الجميع ، كيف لا واثاره ما زالت شاخصه امام المارين جنب السور القاطع للقدس بعد النكبه ، ما زالت البيوت والدكاكين في المنطقة الحرام تروي الحكايات ، عن اناس شردوا على عجل وفي ساعة غفله ، عشرون عاما مضت وغسيل العائلات معلقا على الحبال! ومطرحة الفران بارغتفها العفنه ، تركت عند بيت النار ، شجر الصفصاف ، والدوالي ما زال يتعربش البيوت ، اراجيح الاطفال في الجنائن ، مشاهد يوميه تلح على العيون بالنظر لتتحسر ، ملعونه الحرب ، وملعون من يشعلها ، الكارثة والنكبه لا تغيب عن المشهد ، والحلم ان يبتعد شبح الحرب عن اناس لا يقوون على صد عدوهم الفقر !
لكن شبح الحرب لا يعرف الاحلام ، والواقع بدء يتجلى بأغان ثوريه ، في البحر حندفنكم ! وفايده كامل تشحننا…….. لن ينام الثأر في صدري وان طال مدى لا ولن يهدأ في روحي وفي قلبي لظى ! كل شيء ينبىء بالحرب الا حركة الجيوش ! لا مدافع نصبت ولا عتاد يأتي ….حركة الجنود اعتيادية .
كبار الحارة يتخوفون ، والشباب يتحمسون ، ينتظرون يوم الانتقام من اسرائيل ، لن تصمد اسرائيل امامنا لاكثر من ساعه ، نحن بالملاين !
وهم قردين بلا حارس ! متى نسير في شارع يافا ؟ متى نسبح في شواطىء تل ابيب و حيفا ؟ اه على حبة برتقال من بياراتك يافا ….واكلة سمك من بحرك ؟ عائدون انا لعائدون .
اوامر عسكريه يعلن الملك حسين فيها عن تدريب مكلفين ! ترجمت الاوامر بضبط كل شاب من بيته ومن الشارع ليذهب الى الجنديه ! ما اربك الاهالي واحزنهم على تجنيد ابنائهم الصغار ، التكليف يشمل الاعمار الفتيه للابناء ! سيغيب الابناء لشهرين في معسكرات التدريب لخوض الحرب !
ما اقساها من ايام تعيشها الحارة ، بل والمنطقة ، جيب عسكري يخترق الحدود المصريه الى عمق سيناء يسرق خرائط المنطقه ، المذياع في البيوت والمقاهي لا يصمت ، كل خبر يسقط القلوب في صدور الامهات من غادرها الابناء الى التدريب ، رجال الدفاع المدني يجوبون الحارات للارشاد .
ام عيسى : ما من ملاجىء نلجأ اليها في الحارة
، وما من منطقة امنه ، ليلة القصف لم نعرف اين نخبىء الاطفال
يحتار رجال الدفاع ماذا يجيبون ام عيسى والنساء المرتعبات ، الطوابق السفليه غير امنه ، البيوت كلها غير آ منه ، كلها بيوتات تاريخيه مهلهله من الرطوبه، قنبله واحده كفيلة بأن تهيلها علينا ، (كلها قصر مل) قالت ام عيسى ، ليس لنا سوى المسجد الاقصى نحتمي فيه ان ولعت الحرب .
اجواء الحرب تسيطر على الاجواء ، استعدادات تموينيه من اجل الاطفال واستعدادات عسكرية ملموسة من اجل الحرب ، اوامر بطلاء زجاج البيوت والسيارات ، ونصب مدفعيه في ثكنة حي سعد وسعيد، على الحدود الفاصله القريبة من السور ،اكياس رمليه ينقلها الجنود يضعونها متاريس عند كل مدخل لثكناتهم. اذن هي الحرب واقعة لا محاله !
…. يحضررجال الدفاع المدني ، يخبرون الاهالي بضرورة التزود بالسلاح ، يهب الشباب بحماس بالغ…….. يعودون بالسلاح
سمير : والله ما عارف فين احط الفشك ؟
فؤاد : ولا انا لو كنا رحنا مع المكلفين كان زمانا تدربنا معاهم على السلاح كيف بدنا نستخدمه ؟ انا عمري ما شلت سلاح ولا مسكته !
سمير : بس والله مفرح انك تحمل السلاح وتحارب
فؤاد : السلاح في ايد الغشيم بقتله ! خايف الرصاص يرجع عليّ !
سمير : اما مشكله هم لو وزعوا السلاح قبل هيك كنا اتدربنا عليه !
فؤاد : هلا ان شعلت من غير ما نعرف نعبي الفشك بتصير مصيبه ، رجال الدفاع المدني اركنوا علينا في الدفاع عن الحارة !
يتحلق الشباب حول المذياع في مقهى مغيبو واياديهم على زناد يجهلون كنهها ، فرحين بها ينشدون الاغاني الوطنيه .
تتجمع اغلب العائلات في الحارة عند بعضهم البعض في الطوابق السفلية للدور طلبا للونس والامن ، حرارة الغرف مرتفعه تحت شمس حزيران ، وحرارة الخارج ترتفع اكثر مع توارد اخبار الحشودات للجيوش على الجبهات الثلاث ، الاردنيه، والسورية، والمصريه ، احلام بالنصر الاكيد لان مصر ستحارب اسرائيل الهزوءه ! النصر قاب قوسين او ادنى ، يا اهلا بالمعارك يغني الشباب .
النساء تحتضن اطفالها ، وترتعد ، تصلي ، تقرأ القرأن ليل نهار
صوت زامور الخطر يأتي من بعيد ، ترتعد الفرائص اكثر ، ويتحلق الجميع حول المذياع وسيلة الاخبار الوحيده ، الصحف لم تصل اليوم يقال ان الجسر اغلق بين الضفتين !
يعاد سماع زامور الخطر لاكثر من مره ! لا جهة رسميه تفيد السكان بما يحصل ! افاد العارفون من العامة في الحارة ان اسرائيل تجرب زوامير الخطر لتعرف مدى الاستعداد ، عند شعبها تعدهم للحرب بغارات وهميه .
اليوم هو الخامس من حزيران ، يفرض منع التجوال ، وتغلق كل بوابات الاسوار ! تسيرساعات الصباح ببطىء شديد على السكان ، كل يحملق بالاخر يقرأ في عيونه الارتباك والخوف من انتظار المجهول ، وحدهم الشباب في شوارع الحارة يعدون مراكز للاسعاف تحت القناطر المعتمه ، واحدا في عقبة المولويه ، واخر في نهاية الحارة قرب باب الساهرة ، دعم السكان ورجال الدفاع المدني المراكز بالقطن والشاش واليود ، ولا احد خبير في عمل الاسعافات !
على تمام الساعة العاشرة صباحا اذاع راديو القاهرة اول بلاغ عسكري ، اسقاط ثلاث طائرات للعدو الاسرائيلي اثر غارة شنها على قواعد للجيش المصري ، فرح عارم وزغاريد انطلقت من شفاه الرجال قبل النساء
هي لحظات حتى بدأ القصف على الحارة بالرشاشات الثقيله ، الجبهات الثلاث تشتعل ، والحارة تختبىء ، بنسائها واطفالها والمسنين ، الكل يرتجف ، وام عيسى تتلو القرأن وتسقي الجميع من طاسة الرجفه ، هي من اسلحة الحرب التي امتلكتها ، لازالة الرعب .
القصف شديد لا يترك مجالا للحركة ، للاطمئنان على الشباب في الشوارع فقط هي اخبار المذياع ، راديو القاهرة يتحدث عن اسقاط عشرات الطائرات الاسرائيليه ، وكذلك راديو عمان ، اما صوت اسرائيل فيتحدث عن تدمير للمطارات والقواعد العسكرية المصريه !
احباط وخوف ، وما من اخبار دقيقه تشفي الغليل ! تتسحب ام عيسى بخفاء وتصل بوابة العامود ، تفقدت الجنود على الاسوار ان كانوا يحتاجون شيئا ، تحدثت الى احدهم فنصحها بأن ترجع القصف شديد على البوابة .
يتراكض الشباب في الشوارع دون هدى ! كل الدراويش والمبروكين في الشوارع ، ابو جديع ، وابو منصور الاذاعة المتنقله ، وبلل ، وسواهم، ، يحملون الحجارة والعصي !
عادت ام عيسى حزينه ، وكأنها تخفي شيئا…… سألناها
فقالت: القصف على بوابة العامود شديدا……. الرصاصات تخترق البوابه ما يعني ان اليهود اقتربوا !
لطم الجميع على الخدود مندهشين!!
من خبرك يا ام عيسى ؟
ام عيسى : مين اللي بسخى يطخ على باب العامود ؟
يمكن الجنود او الشباب يا ام عيسى ما حدى منهم بعرف يحارب !
امين يارب يبقى كلامكم صحيح .
نزل الليل على الحارة والقصف ما زال مستمرا ، يشتد بين الفينة والاخرى عاد فؤاد وبندفيته فارغة ولا يملك الرصاص ، اطلقه جميعه في السماء ليرعب العدو !
سألته النساء اين الشباب ؟ وما هي الاوضاع ؟ وهل ما يورده العدو في اذاعته صحيحا ؟
فؤاد : هناك شهداء من الجنود على الاسوار نقلناهم الى مشفى الهوسبيس في الواد ، ولم يتبقى من الجنود سوى ثلاثة على السور ، يقاتلون بشراسه .
المدفعية في ملعب الامريكان اعطبت قصفتها الطائرات ! يقال ان حي الشيخ جراح والمصرارة تم احتلالهما من العدو ، هم يزحفون نحو باب العامود ، لكن المقاومة شديده ، جندي على السور يقنص جنود العدو كلما اقتربوا ، انهم يخشون النزول من الدبابات والمجنزرات !
لطم وبكاء وعويل في العتمة، من الجميع نساء ورجالا واطفالا.
سلوى : ابهذه السرعة هزمنا ؟ اصبحوا على ابوابنا من اول يوم في الحرب ؟ انها خيانه !
ام عيسى : من غير كلام فاضي الكل يحضر حالة لا بد ننزل في العتمة الى المسجد الاقصى ، بدنا نحمي البنات !
يشتد القصف على الحارة ردا عى المقاومة الشديدة ، ما اعاق الاهالي عن المغادرة الى المسجد الاقصى، للحماية من القصف، وخوفا على البنات من اعمال اغتصاب ان دخل جيش الاحتلال ، ذات اسطوانة حرب الثمانيه واربعين تسمعها ام عيسى بعد عشرين سنة
جندي واحد على السور لم يغادر ثكنته فوق بوابة العامود ، بقي وحيدا بعد ان استشهد عدد من زملائه وجرح عدد آخر …..وحده مع بعض شباب الحارة استمروا في المقاومة يطلقون نيران اسلحتهم الخفيفة عن الاسوار ما عرقل اقتحام الجيش الاسرائيلي الغازي للبلدة القديمه ، رغم انه تقدم الى البلدة القديمة من كل المحاور ، الأول من منطقة الشيخ جراح نحو النبي صموئيل
والثاني من تل الرادار نحو النبي صموئيل حيث تلتقي القوتان وتتوجهان شرقا إلى بيت حنينا ،لقطع طريق القدس –رام الله ،ما جعل الدبابات الاسرائيلية تتقدم نحو مشارف البلدة القديمه في غضون ساعات قليله !
معارك دامية وعنيفة جدا تدور في مشارف البلدة القديمه بين المدافعين عن المدينة ولواءي المشاة الاسرائيلين ، وبينما المعارك محتدمة ، تمكن لواء مشاة اسرائيلي من مهاجمة باب الاسباط مدعوما بالدبابات ليصل ساحات المسجد الاقصى !
كل هذه الاخبار تتوالى عبر اذاعة اسرائيل ! اصبحت هي مصدر الخبر الموثوق بعد ان شاهد شباب الحارة الدبابات تقترب من بوابة العامود
يستمر القتال متركزا أعنفه حول المتحف الفلسطيني ، وباب العامود ، لا يريد الشباب الاستسلام ، ويرفضون نتائج الحرب وهي واضحة امامهم ، يستبسلون ، يستشهدون ، يجرحون ، نفر منهم بقي يقاتل ، وجندي واحد ما زال فوق الاسوار ، يصمد خلف مدفعه الرشاش وبندقية القنص يناورهم ، ويقاتلهم وحيدا ، حتى استشهد ، فجرته قذيفة مدفعية ، وتناثرث اشلاءه على السور ، ذهبت ام عيسى ليلا لتفقده فوجدته شهيدا عشية التاسع من حزيران ، وهو لم يتناول بعد صحن المجدرة ،اخر وجبة قدمتها ام عيسى له قبل الاستشهاد.
عادت ام عيسى اخذت شرشفها الابيض ونسخة من لقرآن وزهر الياسمين من حوض الدار ، وعادت تحت جنح الظلام هي وبعض النساء كفنت الشهيد ، عطرته بالياسمين ، وضعت المصحف على صدره وغادرت والنسوة وهن تبكين وتسألن عن عيون والدته الثكلى لاستشهادة بعيدا عنها.
يظهر ابا صفوت طليق ام صفوت فجأة في ثالث يوم للحرب في الحارة !اتى قادما من عمان مشيا على الاقدام كما قال ! صعد العقبة راكضا وهو يشيع خبر دخول الجيش من باب الاسباط وانه في الطريق عبر شارع الواد الى باب العامود والحارة ! قيل بأنه طابور خامس والا لماذا يظهر الان ؟ ولماذا بعد عشر سنين من طلاقه لام صفوت !
ابو صفوت : يا لطيف القتلى بالمئات في الشوارع ، عائلات بحالها قتلت وهي فارة عبر باب الاسباط ، لا احد يخرج منكم ، خدعة من الجيش وهو يطالبكم في الرحيل ! كله عشان يسهل قتلكم في الشوارع !
اشاع ابا صفوت اخباره وانسل ليترك الجميع في رعب اكبر !
بدأت مكبرات الصوت توجه تحذيرات للسكان من خلف السور على ضرورة الاستسلام ، ورمي السلاح خارج المنازل ، وان على الجميع المغادرة الى الاردن الطريق آمنة وسالكة للجميع حتى الجنود الفارين !
تيقن اهل الحارة انها فعلا خدعة لقتلهم بشكل جماعي .
القصف الجوي ما زال مستمرا على الحارة يدمر المنازل ولا احد يشجع على الرحيل ، لن نغادر بيوتنا مهما حصل لن نكرر مأساة ،الثمانية واربعين .
بكاء وحسرة في عيون وقلوب الجميع ،لا احد يعرف ماذا يفعل وقد بدأت اسرائيل ترد على الاسلحة الخفيفة في ايدي الشباب بالمدفعية الثقيله ، والقصف الجوي ، القذائف تنهال على البيوت الامنة ،لا مكان آمن الان
ام عيسى : صار لازم نهد هذا الجدار خلفه يوجد قبو بنخبي فيه البنات !
ابو عواد صاحب الدار المختبئ بها السكان يتشجع ويبدأ بهدم الجدار لينفتح على قبو كبير رطب لم تدخله الشمس منذ عشرات السنين كما افادت ام عيسى عن روايه امها ، حين خبأتهم في الحرب مع الانكليز في هذا القبو.
يدخل الجميع القبو، يفترشون الارض ،ينتظرون المجهول ، يشتد القصف اكثر مع اقتراب الجيش الاسرائيلي عبر باب الاسباط ، حالة صداع شديده اعقبها اغماء لكل من تواجد في القبو ، سلوى طالبة التوجيهية ، والتي تعطلت امتحاناتها بفعل الحرب ، تنبهت الى ان الاوكسجن معدوم في القبو ، وان الجميع قد يموت خنقا عوض الحرب ، نزلت العقبات مسرعة واتت بكل من تواجد من الدراويش والمبروكين وبعض الشباب الباقين ، ليخرجوا من في القبو للهواء .
حضر في هذه الاثناء جنود من المكلفين فارين يطلبون اللجوء خوفا من الاسر ، ساعدوا في اسعاف من في القبو .
نجا الجميع بوعي سلوى ، والا ذهب كلهم ضحايا القبو ، جلبت النساء ملابس رجالهم والبستها للجنود .
موشيه دايان وزير الحرب الاسرائيلي ، يخطب عبر الاذاعة الاسرائيلية اسفل الجدار الغربي للمسجد الاقصى ليلة التاسع من حزيران ما ترجم الى العربية
قوله : صباح الخير لاسرائيل ، في يومنا الاسرائيلي، (هذا اليوم حرر جيشكم عاصمتكم القدس ووحدها لقد عدنا الى اقدس مقدساتنا ) تكمل الاذاعة بخ سمها ، والجميع يلطم ويبكي ،الجنود الفارين، النساء والرجال والاطفال ، ان الهدوء يسود اغلب الجبهات بعد ان احتلت اسرائيل الضفة الغربيه بكاملها ، وانتصرت على الجبهة المصريه باحتلال سيناء والعريش، وفي الجبهة السوريه ايضا باحتلالها لكامل هضبه الجولان والقنيطرة ، اخبار محبطة مرعبة، الى درجة عدم التصديق ، ما زالت الحارة محررة حتى الان على الاقل .
اليوم التاسع من حزيران ، والساعة تمام الثانية من بعد الظهر ، سقطت المدينه ،وسقطت معها كل القلوب ، والاحلام ، ما زالت الحارة تخبىء دمعها ، الاهالي مصدومون لا يصدقون شيئا !
عاد الشباب المقاومون ، ناموا في القبو بعد ان فارقهم النوم والراحة لثلاثة ليال بنهارها ! هي هنيهات حتى سمع طرق عنيف على البوابة الكبيرة للدار ، ارتعب الجميع صغارا وكبارا ، ابعدت البنات للخلف وقد كن بالعشرات ، وخلفهن الشباب نيام ايضا بالعشرات ، استمر الطرق على البوابة ، ما لبث ان اعقبه اطلاق نار كثيف ، اشتد الرعب بالجميع ، فايقنوا ان الطارق هم جنود الاحتلال لقد وصلوا الحارة الان !
تشجعت ام عيسى وابو عواد المسن وذهبا لفتح البوابة ، واذا بالممرضة جورجيت العاملة في مستشفى الامريكان بالحارة ومعها عشرات الجنود ، قدمت برفقتهم للاطمئنان على اسرتها المختبأة في الدار
جورجيت : ما تخافي يا ام عيسى ما راح يأذوكم ، هذول جايين معي نفقدكم !
ام عيسى : ما في حد غير انا وعمك ابو عواد الكل رحل
جورجيت : يا ام عيسى لا تخافي قلتلك ما راح يعملوا اشي جيت اشوفكم واخذ اخوتي وامي لعندي المستشفى امان هلا
ام عيسى حتى اهلك رحلوا يا جورجيت افهمي !
ينطلق الجنود بوحشية منهين الجدال بين جورجيت وام عيسى ويداهمون كل باب ، وايديهم على الزناد يتكلمون الانكليزيه ، داهموا كل غرف الدار حتى وصلوا باب القبو ، وهموا باطلاق القنابل داخله ، صرخت جورجيت وام عيسى معا : لا في مئات الاهالي جوة ، نادت جورجيت على امها لتخرج .
فقالت ام عيسى : قولي لهم سيخرج الجميع مستسلمين لا داعي للقنابل وقتلنا ، خذونا اسرى ،
خرج الجميع بحالة رعب وانهيار ، اوثق الجنود ايدي الشباب والرجال والفتيان ، غموا على اعيونهم بشرائط يحملونها واخرجوهم خارج الدار ، واكملوا تمشيط الدار بحثا عن آخرين ، كانوا يتحدثون بالانكليزية ولم يسمع منهم اي كلمة عبريه ، ما دفع بالحاجة نديه للاستغراب والقول : لقد جاورت اليهود في الثمانية واربعين في حي القطمون انهم ليسوا بيهود انا اعرف اليهود ولغتهم واشكالهم
ام يعقوب : العذراء تحميهم هذول زينا لابسين صلبان !
سلوى : الله لا يحميك ولا يحميهم بتصلبي وبتدعي للاعداء يا ام يعقوب شو انت خرفنتي ؟
ام يعقوب : لابسين صلبان يعني منا مش يهود
ام عيسى : شو القصة يا جورجيت مين هذول ؟
جورجيت : هذول من جماعة الريسه يا ام عيسى نايمين في المستشفى عندها ، هذول امريكان !
سلوى يعني احتلنا الامريكان واليهود
جورجيت : فش فرق يا سلوى المهم احتلونا
سلوى : المستشفى ليش يستقبلهم يا جورجيت هي الريسه كاينه مخابرات امريكيه ؟
جورجيت : ما بعرف انا زي زيكم وحياة المسيح ما بعرف اشي ، على غفلة نزلوا علينا في المستشفى والريسه استقبلتهم لانها امريكيه زيهم والمستشفى ملكهم امريكاني ، انا شو طالع بايدي ، خبرتهم اني قلقانه على اهلي بعد ليالي القصف فأوصلوني حتى اطمن عليهم ، وخدعوني !
ام عيسى : المهم لفين بدهم ياخذوا الرجال ؟ خايفين عليهم
جورجيت : لا تخافوا بيرجعوهم كل رجال المدينه اسرى مفيش حد في البيوت !
غادر الجنود الدار ومعهم كل الرجال والشباب حتى الفتيان الصغار ، وابقوا على البنات والنساء ، بكاء وعويل ، ورعب دب في الدار كل يبكي على اسراه ، قبل ان تغادر جورجيت مع الجنود الى مستشفى الامريكان ، طلبت من ام عيسى مرافقتها الى المستشفى لتتسلم طفلتين توفيتا في المستشفى ، ووجب دفنهما لان المستشفى فرغ المرضى لاستقبال الجنود ذهبت ام عيسى وام احمد برفقة جورجيت لتتسلم الطفلتين ، فوجئت بهما ما تعرف بالريسه ،وهي اميريكيه مسؤولة عن مستشفى الامريكان بالحارة ، تغير لون وجهها وانبت جورجيت على فعلتها باصطحاب ام عيسى وام احمد الى هنا ! امرتهما بالوقوف خارجا ، لكن المشهد كان واضحا للعيان ، جنود امريكان يجلسون فوق الاسرة يأكلون الساندويشات ، ويشربون الخمر ، جنت ام عيسى مما رأت وعادت بطفلتين متوفيتين لا يعرف لهما اهل، لفظهما المستشفى ليأوي الجنود !دفنتاهما في حاكورة الشيخ لولو.
عادت ام عيسى وام احمد وهن يضربن اخماسا بأسداس ، من الذي احتلنا ؟ وما دخل الريسة بالجنود ؟
ام احمد : همنا اكبر من هيك يا ام عيسى بدنا نفقد بعضينا نشوف البيوت المدمره مين لسه تحت ركامها ؟ ونشوف رجالنا فين راحوا فيهم .
ساعات عصيبه مرت على الاهل في الحارة ، دمار ، ورجال اسرى ، كيف سيقضون هذة الليلة الحالكة بعتمة الاحتلال ؟ وهل اسرانا احياء ؟ صوت الطلقات بين الفينة والاخرى تثير الرعب !
اين نسأل؟ ومن نسأل عنهم ؟ تكومت النساء والمسنين والاطفال في القبو ، اشعلت ام عيسى بابور الكاز لتدفىء الاجساد الباردة في حر حزيران ، عجنت العجين هي والنساء ، وخبزنه فوق صينية وضعنها فوق البابور ، حضرن مناقيش الزيت والزعتر للجميع ، وام عيسى تسامر الجميع لتقتل الوقت ، تقص الحكايات عن حرب الثمانية واربعين عن الابطال عبد القادر الحسيني ، وابراهيم ديه ، وسواهما ، اكل الجميع بعد جوع يوم كامل ، بعث حديث ام عيسى الامل في النفوس ، وهي القلقة على وحيدها عيسى وحفيدها الصغير ، من ذهبوا اسرى ايضا ، صبر وانتظار مر ، تحلية ام عيسى بحكايا السنين .
في ساعات الفجر الاولى ،همت ام عيسى للخروج ولم تذكر الى اين وجهتها ، تشبثت بملايتها بهدف مرافقتها ، اردت رؤية الشارع وماذا حل في الحارة بعد ثلاثة ايام من الاقامة في القبو المعتم ،امسكت بيدي وقصدنا المسجد الاقصى ، كانت ام عيسى قد
عيسى قد فكرت بصوت مسموع وهي تحدثنا في الليل : اين هو المكان الواسع والذي من شأنه ان يستوعب الاف الاسرى؟ لا مكان غير ساحات الاقصى، سرت معها وهي ممسكة بيدي كي يحن قلب الجنود ان شاهدوها مع طفله ! عبرنا طريق الواد ، كان الجنود منبطحين على الارض في طرفي الطريق ، يبدو عليهم التعب والارهاق ، منهم من غفى ومنهم من كان يقرأ الصحف الانكليزيه ، وجوههم متسخة وملابسهم ايضا اشكالهم مرعبه ، لم يأبهوا لنا ، مررنا بسلام ، ودخلنا ساحات المسجد الاقصى ما من احد هناك ، كان خاليا تماما الا من اليات الجيش الاسرائيلي، حاولنا الولوج الى الساحات الشرقيه الواسعه ، واذا بسيارة جيب تعبر بنا رغم مشاهدتهم لنا ، كنت اشاهد واسمع صك اسنان الضابط وهو يسرع لدهسنا ! صورتة لا تفارق خيالي ليل نهار وحتى الان ، ساعة كتابتي هذه ، رمت بي وبنفسها ام عيسى على درجات الباب الحديد ، تدحرجنا ، وامرتني ان ابقى دون حركة ، بقينا دقائق حتى غادر الجيب العسكري وذاك الضابط المجرم بداخلة ، نهضت ام عيسى واسرعت عبر بوابة الحديد ( باب سوق القطانين) في عتمة السوق ورعبه ، حتى وصلنا طريق الواد وعدنا ادراجنا الى الحارة ، كنت ابكي وام عيسى تواسيني ، وتعلمني ان ابشرهم بأن احد الاسرى كان عائدا وقال ان الجميع سيعود !
تلقفنا الجميع بلهفة الملهوف لسماع الخبر ، لكن امي جنت حين نظرت وجهي ، صرخت ما الذي اصابك ؟
كانت اسناني الامامية قد فقدت ، وانفي ينزف ، وام عيسى تعاني الكدمات الشديده ، هي اول مرة تكشف فيها ام عيسى عن سيقانها البيضاء لترى وقع الكدمات من الدحرجه على الادراج ، لكنها لم تشكو الالم ، مازحتها النساء بتسجيل هذا اليوم لتاريخ يوم كشفت ام عيسى عن ساقيها .
دمار وخراب لعشرات البيوت في الحارة من باب العامود الى باب حطة ،عائلات بكاملها فنيت تحت الدمار ، خرج الجميع يواسي الجميع ، الكل مثقل بالجراح والدمار وبغياب الاسرى ، ما زال منع التجوال مستمرا ، واخبار الاهل مقطوعه ، من خارج البلدة القديمة ومن داخها ، وما من وسيلة للاطمئنان ، صوت مكبرات الصوت لجنود الاحتلال تطالب الاهل بالرحيل الى الاردن وتغريهم ان الطريق سالكة وامنه ، بعض العائلات من ليس لهم اسرى ، حملوا ما خف من ملابس ، اغلقوا بيوتهم ورحلوا ، رغم نداءات البعض لهم بعدم الرحيل !
ما من مسيسين واعين بين المتواجدين في الحارة ، اغلبهم في الخارج في السعودية والعراق والكويت ، ومن بقي وقع في الاسر ، من سيتصدى لموجة الرحيل لعشرات العائلات ؟
مكبرات الصوت كانت توجه الراحلين الى بوابة العامود لركوب الحافلات المعدة لذلك من قبل جيش الاحتلال !
عند الساعة الثالثة من بعد ظهر اليوم العاشر من حزيران وبعد خمسة ايام من الحصار والمنع ، رفع منع التجوال لمدة ساعتين كي يتزود االاهالي بالاغذية ، فتحت بوابة العامود ، كنت ووالدتي اول العابرات اليها ، يا لهول المشهد !
عشرات من الجنود الشهداء ، ما زالت جثامينهم في الشوارع بعد خمسة ايام على الحرب ! غطت جثامين الجنود بالعبوات النحاسيه الفارغة للقنابل ، الاف القنابل والزخائر من كافة العيارات في الارض ، جنود الاحتلال يفترشون الارض بأجسادهم المتسخة وغنائمهم المسلوبه من البيوت وجياب الاسرى ، ما زالت شاحناتهم متوقفة امام المتاجر ، في بوابة العامود ، كل محال الساعات والذهب تسرق وتفرغ بكاملها ، اكوام من النقود الاردنية والساعات الثمينه والمصاغ بين ايدي الجنود ! اكواما من النقود الاردنية والساعات الثمينه والمصاغ بين ايدي الجنود ! بقايا غنائم من الساعات الثمينة سقطت من الجنود على الارصفه لم نلمسها رغم افتقارمعاصمنا للساعات ، متاجر البقاله تنهب امام اعيننا ، لكن اعيننا كانت مسمرة على جثث الجنود الشهداء لم نستطع الاقتراب منهم لهول المشهد ! قرأنا الفاتحة عليهم ومضينا سريعا ، عبرنا طريق نابلس والحزن والالم يعتصرنا ، خطواتنا متثاقلة رغم سرعتنا لوصول بيت جدي على الخط الفاصل ، لهف ورعب يثقل الخطوات ، امي تلمح بيت جدي من بعيد ، اسودا غطاه الشحاربفعل نار مستعره نالته ، لم تتحمل والدتي المشهد ، ارتمت ارضا مغشيا عليها ، يا الهي ماذا افعل والشارع خال الا من جنود الاحتلال ، لا احد منهم يلتفت الى محنتي ! كيف سينظرون وهم اعداء غزاة ! اضرب امي على وجنتيها اشد بشعرها كي تستفيق ، اصرخ ليسمعني احد ! ولا من مجيب ، طرقت باب دير الراهبات عل احدا يستجيب ، كفتاي صغيرتين ، وصوتي طفولي من سيسمعني ؟ جلست قرب والدتي ابكي ، لا استطيع تركها في الشارع لاكمل مسيري الى بيت جدي عل احدا من اخوالي يساعدني ، كنت احاكي نفسي ماذا افعل ، حملت كرة حديدية بحجم كفي ، وقذفتها على شباك الدير ، كسرت الزجاج واستقرت في الغرفة ! لكنها سرعان ما اعيد قذفها الى الشارع ! كانت قنبلة يدويه وحظنا انا وامي انها لم تنفجر ! لكنها فجرت انتباه من يقبعون في الدير الى النظر من النافذة حتى يروني ! نزل عدد غير قليل من الاسر المختبأة في الدير عند ملاحظتهم وجودي في الشارع ، ساعدوني في حمل الوالدة الى داخل الدير، فحصتها احدى الراهبات واسعفتها حتى صحت ، منحتني الراهبة كرسيا متحركا لامي اجلستها عليه وهي ما تزال تعبة سرت حتى وصلت بيت جدي ، صمت رهيب ، لا شيء يوحي بالحياة ! دمار وحريق !
ترقب في عيوني وعيون الوالدة ، ماذا سيكون ما بعد المشهد الاسود ؟ اين جدي وجدتي واخوالي وخالاتي واطفالهم ؟ هل ماتوا جميعا ، يا رب هون عن امي اي صدمة متوقعه ، هل يمكن اي يكون احدا منهم حيا وقد احترق البيت بالكامل ودمرت اجزاء منه بالكامل ؟
خالتي الصغرى تظهر من باب المخزن بشعرها المنكوش والشحار يغطيها ركضت الينا باكية ، كان السؤال قبل العناق .
الخالة هناء : الجميع بخير لا تخافوا !
والدتي : كيف واينهم وهي تلطم خديها
الخالة هناء : كلهم اسرى اخذوا كل الرجال وابقوا على الوالد فقط !
الوالدة : استحلفكي بالله ان تقولي الحقيقه اين اخوتي كلهم ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات :
رواية |
السمات:
رواية
أرسل الإدراج
|
دوّن الإدراج