
الجزء التاني
عند ام عيسى من الاسباب ما يجعلها تنسبه الى ناصر ، عاشت زهرة لسبع سنوات دون خلف ، وطلبت الطلاق لعدة مرات كانت تختلف فيها مع زوجها كامل ، حتى هجرت فراشه لتنام وحدها في العلية المقابلة لعلية ام عيسى !
فجأة حملت زهرة بعد قدوم ناصر شقيق زوجها من العراق ليعيش في بيت العائلة ، يقال ان الزوج كامل يعرف ان عزات هو ابن شقيقه ! كون زهرة هجرت فراشه !
دافعت زهرة عن نفسها لمرة واحدة امام قسوة كلمات ام عيسى لها !
زهرة : حاسبينه علي زوج !! انا عايشه معاه زي اخته يا ام عيسى ! ارحميني ! في واحده بتتحمل زوج عيره !
كان كامل يعرف الحقيقة ، ويراعي الصمت كونه يعاني العجز الجنسي الكامل ، ويرى في صمته حفاظا لكرامته رغم مرمغتها بخيانة زهرة له ! الخيانة اقل وطأة من فضح امر عجزه الجنسي !
لم تتوقف ام عيسى عن طعن زهرة بالكلمات ! حتى سطعت شمس نهار ، قدم به اخوة زهرة ثائرين ثورة الاسود على الفريسة ، لكن زهرة استبقت هذه اللحظة الخطرة ، وانسلت ليلا هي وابنها وعشيقها ناصر وغادرت الحارة دون ان تعرف وجهتها .
طارق اجمل شباب الحارة واروعهم ، اجمل ما عشت من مشاعر حياله خبأتها بين اجفاني المطبقة على اروع صورة ، ابحر في ذكراه ، واغوص في اعماق نفسي الساكنة الى طيفه الجميل ، ليتني ما شاهدته اليوم ! فجر بي بركان فصولي ،لعينة الصدف ، كم تلعب بعواطفنا ، ما العنك يا صدفه ، نقبت بذكرياتي ، وقلبتي جمر صمتي ، كيف تدفعين ببوحي الان ؟
قالها اخيرا هو الاخر ! كيف تجرأ على البوح في لقاء عابر !
قال احببتك يا دعاء بجنون ، وكتمت سري احتراما لشقيقك زياد صديق عمري، خشيت ان تهتز صورتي بعينيه لو علم بمشاعري !
وانا خشيت غضب والدي وعصبيته وكتمت حبي يا طارق ! كانت تحدثني دعاء وهي فرحة، لاول مرة اجدها منطلقة اللسان !
دعاء: اتدرين أن طارق كان هو الاخر يحبني بصمت ؟ كان يبادلني ذات المشاعر ، بخجله وخجلي اضعنا قصة حب كان لها أن تثمر اولادي من طارق بدل زوجته !
هل انت نادمه الان ؟
دعاء : لم اسأل نفسي هذا السؤال ، يكفي انني عرفت في النهاية انني كنت حبيبته !
وما فائدة المعرفة الان ؟
دعاء : فعلا لا فائدة لكنه الغرور ! يكفيني انني عشت عمري على ذكراه مكتفية بمشاهدته يمر من تحت المشربيه ، احرسه بقلبي وعيوني حتى يغيب في دهليز بيتهم ، ارقب نافذته حتى يطفىء نور غرفته وينام ، لانام وعيوني تحتضن صورته.
هل ما زال وسيما في عينيك بعد هذه ا لسنين ؟
دعاء : اختلف شكله الان لكن صورته مطبوعة في خيالي ، فيه من وسامة الماضي ، حتما تغير كثيرا ، ازداد بدانة ، اصبح اصلع الرأس ، لكن وسامة وجهه وخجل عينية ما زالا على ذات المقدار ، ما زال رائعا ووسيما في نظري .
تحملين كل هذا الوفاء وهو في حضن سواك ، حبك جنون في جنون !
دعاء : وهل اروع من جنون الحب ، قلبي لم يخفق يوما لسواه ،ما زال قلبي متعلقا بطقوس حبه ،استحضرة ، ارقبه يعبر الحارة كل ليلة عائدا اليّ ، الى عيوني ليتأرجح في خيالي ، وينام على راحة يداي.
لم يكن بينكما شيئا ايتها المجنونه !
دعاء : كان بيننا الحب ودفء الحارة .
صراخ وعويل لاطفال صبري في الحارة يستصرخون المارة ، صبري يضرب زوجته مليحة ويشدها الى الشارع .
صبري رجل معاق، عقليا وجسديا ، زوجته مليحه …مليحة بحق ، يستغرب من يراها كيف قبلت الزواج من صبري المعتوه ، وانجبنت منه سبعة اولاد وبنات ، تعيش معه في غرفة واحده ، لا تتعدى مساحتها المتر في المترين ، ينام الاولاد ورأسهم في عتبة الغرفة ، يعتاشون من عمله عتالا في سوق خان الزيت ، يوصل المشتريات والخضار للبيوت في اعلى العقبات ، يكد طوال النهار، مقابل قروش قليلة، تكفي اسرته زاد يومهم المتواضع ، غالبا ما يعتاشون على هبات الجيران .
من اول ليلة زواج، شهدت عروسه مليحة ، اول طوشه حامية الوطيس، وقعت بينه وبين ام زوجته ، لانها احتجت على فراش ابنتها القديم ، السرير لم يعجبها هو الاخر، قديم اكلة الصدأ ، طرد صبري ام واهل عروسه ، وكاد ان يطرد عروسه ، لولا تدخل اهل الحارة، وعلى رأسهم ام عيسى .
اطفاله الليلة يستصرخون ويستغيثون بأم عيسى، وحدها القادرة على جنونه ! تأتي ام عيسى على وجه السرعة ، تلبس ملاءتها في الشارع !
صبري : عليّ الطلاق ما بتمي في داري لو تيجي مليون ام عيسى ، روحي رجعيه زي ما الله خلقك ! في مرة بتقص شعرها دون اذن زوجها ؟
مليحة : يا مقمل ، قصيته من القمل وقلة المية ، القمل اكلني اكل الله اكبر يا عالم على هيك عيشه !
صبري : بحملك الميه من بيار الحرم عشان تتحممي انشاء الله اخر حمامك
مليحة: الميه اللي بتحملها من الحرم يا دوب نطبخ ونشرب فيها ، الدار اكلها القمل والبق من قلة المية والنظافه
صبري : هذا الباقي ، اعتل ميه عشان تشطفي الدار عنك ما شطفتي ، ماله القمل مش عيب !
مليحة : مهم اللي جوزوك ظلموك الله ينتقم منهم خطيتي بس.
ام عيسى : صلي على النبي يا صبري،و خلينا نتفاهم عيب صوتكم جاي لاخر الحاره .
صبري : يلعن ابو الحارة ، انا بهمنيش حد
ام عيسى : يا عيب الشوم علي ما بستحوا عيب يا صبري
صبري : عيب عليكي انت ! شو دخلك فينا انا بضرب مرتي وحر فيها
ام عيسى : بقولك عيب تضرب ام عيالك استهدي بالله واخزي الشيطان يا زلمه عيب
صبري : انا حلفت يمين طلاق ما بترجع داري غير لما ترجعه زي ما الله خلقها
ام عيسى : صار للخرى مره وبحلف بالطلاق ! شو هو اللي ترجعه يا اهبل؟ مهي قصته واخلصنا ،ان طحيتها مين بدو يقبل فيك؟ ولا يقوم في اولادك؟ اهدى واعقل .
صبري : يميني بنزلش الارض ، هلا بدها تروح تجيب رجالها من الخليل ، يجوا يشوفوا بنتهم الفالته بتقص شعرها وجوزها بعرفش طرطور !
ام عيسى: معاك حق كان لازم تستشيرك ، بس الليله اقصروها وخليها في غرفتها، عيب فين تروح في الليل، عيب بحقك، انت بتفهمش بالاصول يا صبري ؟
صبري : انا كلمتي كلمة بكرمش لحد خلص يا ام عيسى بلاش اقلب عليكي انت كمان .
ام عيسى : بدك تضربني انا كمان يا صبري ؟ يا عيب الشوم عليك انت صاير ما بتستحي ، خالع برقع الحيا
صبري : ام عيسى روحي حلي عنا انت قليلة الحيا
مليحه : الله يقل قيمتك ومقامك شو مجنون
ام عيسى : اسكتي انت يا مليحه انا بتحمله زي ابني
صبري : هلا بسب ابوكي وابوها خلص كلكم اطلعوا من داري
مليحه : ستين عين يصيبوا جنونك هو انت في عندك دار ؟ فاكر غرفتك دار ؟
ام عيسى : والله معاك حق يا مسكينه ، صابره ومستوره ويا ريت عاجبه !
صبري : هو انت يا عجوزة السو جاي تصلحي ولا تردحي على الطلاق ما بتموا في داري اطلعوا بره
مليحه : عين تطرقك شو قليل حيا الله يقلل قيمتك كمان ، كل ما الناس احترمتك بكبر راسك يا زوج عره انت
عيسى : بدي اقطع باقي شعرك يا قليلة التربايه يا فالته مفش رجال تضبك !
ام عيسى : انا غلبت معكم واتبهدلت ، اصطفلوا انت واياه بدي اروح
الاولاد : خليكي من شان الله يا جده ام عيسى هلا برجع بضربها
مليحه : ما اتخافوش والله لو يمد ايده لاكسرها
صبري : انا تضربني مره ؟
مليحه : اللي زيك بنضربوا وبنطردوا كمان…… حملت مليحة المكنسه من خلف الباب وهوت فيها على صبري وهي تنعته بالمجنون السايق الجنون على الشيطنة والهبل ، طردته الى حضير الدار وهي تنهال عليه بالشتائم ، مليحة تنفجر لاول مرة ، تستجمع قواها وتعلم صبري درسا في رد الضرب .
ام عيسى : خرجك يا صبري ، لانك ما خليتش للصلح مطرح ، بهدلتنا وبهدلت حالك الله لا يردك.
مليحه : خلص طاف السم على قلبي! مش قادره اتحمل جنونه وهبله !
هرب صبري من تحت ضربات المكنسة الى الحارة وهو يصرخ ويتوعد ، اخرج موسه الكباس من جيبه، وقضى الليل يسن الموس على حجر قبالة رجال الحارة الجالسين في مقهى مغيبو ….في انتظار ان يلتفت احدهم اليه ليردعه عن استخدام الموس ، الا ان ام عيسى سبقته باشاعة الخبر !
لا جديد في فضاء الحارة او عتمتها ، ام عيسى على العين ، العابرون الى الحارة على قدرالمغادرين ، بيوت مغلقة وهموم مفرقه ، على رأي ام عيسى ، شو صورتك اياك ، واللي بنام فيه بنصبح عليه! رحاب تلك الجميلة الصغيرة ،ابنة ام علي، من تعرضت لمحاولة اغتصاب من مسن دنيء ، ادخلت مستشفى الامريكان في الحارة ، تعاني السخونة الشديدة ، والوهن بادن عليها ، همس كثير في الشفاه ، والدتها ام علي لا تنطق بكلمة البته ! اصابها الصمت ، وحدها خالتها ام احمد من تتكلم ، وترد الكلام في افواه تعلك سيرتها ، كل ذلك ووالدها في رحلة عمله سائقا لشاحنة على خط بغداد ، الكل يتعجل شفائها قبل عودته ، رحاب دلوعته المحببه ، والله اعلم بما سيحصل لو وصله طراطيش كلام ! قدمت ام عيسى الى مستشفى الامريكان، وبيدها قنينه كازوزه فارغه ، عبأتها ببول ابنه ابنها عيسى ، همست في اذن ام علي، وام احمد، بضرورة شرب رحاب لهذا البول من حفيدتها الطفلة البكر ! لا يزيل النجاسة الا النجاسة قالت ام عيسى ! ما كشف عن معرفتها بالموضوع بكامل تفاصيلة ! كيف وممن لا احد يدري ! شربت رحاب بول الطفلة البكر دون ان تعي ما هو المشروب ، ودعت ام عيسى ام احمد وام علي لقراءة الفاتحة كفاتحة خير لعمر جديد لرحاب وقبل ان تهم بالخروج تمنت شرب ليمونادة رحاب واحمد قريبا . نظرت الاخوات ام علي وام احمد الى بعضهما البعض ، ام احمد مستغربة ! وام علي متمنيه !ما بستر العود الا قشوره قالتها ام عيسى قبل ان تغادر ، ورحاب تنظر بعينيها الغائرتين ، تسترحمهم بحالها !شهر مضى على عمر الجريمة بحق رحاب ، كبرتها تجربتها المرة خلال الشهر عشر سنوات فوق عمرها ، وحرمتها من ان يكون لها اي رأي ! تقبل كل ما تختارة لها خالتها ووالدتها دون نقاش او جدال ، تغتال احلامها بصمت وكأنها هي من اجرم ويستحق العقاب .مع حضور والد رحاب من العراق ، اعلنت خطوبتها على احمد ابن خالتها ، تمت قراءة الفاتحة ،على ان يعقد القران بعد عام، لحين بلوغ رحاب انوثتها ! ما سد السنة علكت وخاضت في احتمالية حملها بفعل الاغتصاب ، رغم ان الداية ام صدقي اعطت صك السلامة لبكارتها !

يحتضن سور القدس كل احياء الحارة الشمالية ، امتدادا من بوابة العامود مرورا ببوابة الساهرة ( الزاهرة ) حتى باب الاسباط ، ويتتم السور تسوير واجهة لكثير من الدور الملاصقة له .
موقع الحارة يعد استراتيجيا كونها المنفذ الوحيد للخروج والدخول الى البلدة القديمة، ان اغلقت الابواب الرئيسية ، اعتاد الجيش الاردني على اغلاق بوابة العامود بشكل كامل عند الساعة الثانية عشرة ليلا ، وابقاء الباب الصغير لبوابة الساهرة مفتوحا لبعض العمال والموظفين العاملين في الصحف والفنادق والمستشفيات ليلا ، قد تغلق الابواب نهارا في اجواء الاضطرابات والاحتجاجات والتظاهر ، لتصبح الحارة منفذا للهروب عبر البيوت والاسوار .
شعور بالامان يمنحه السور للسكان ، مع وجود ثكنات الجيش على الاسوار ، ثكنة فوق بوابة الخليل ، وثكنة فوق بوابة العامود ، وثكنة فوق بوابة الساهرة ، لا يفارقها الجنود ليل نهار ، وكأننا نعيش في قلعة من قلاع صلاح الدين ، بخاصة وان الجنود يستحكمون خلف فتحات في السور، يراقبون كل صغيرة وكبيرة ، قبالتهم في القدس الغربيه ، يكشفون المنطقة الحرام المعزولة بسور بني بعد النكبة، قسم القدس الى قسمين اكبرهما محتل ، القدس الغربية بمبانيها العريقة والمشاهدة من الحارة ، والقسم الاخر هوالقدس الشرقية ،البلدة القديمه، ومحيطها وهو لا يتعدى ربع مساحة القدس التاريخية .
جو الامن والامان المعاش في الحارة، سرعان ما انقلب الى حالة حرب ورعب مفاجىء ، في ليلة صيف من ليالي العام خمسة وستين، ولاول مرة منذ انتهاء حرب فلسطين بالنكبة والنزوح عام ثمانية واربعين ، تتعرض الحارة لقصف مفاجىء بعد منتصف الليل اصاب عشرات البيوت الملاصقه للسور ، هكذا دون سابق انذار او استعداد للجنود وللسكان .
لا ملاجىء نأوي اليها ! بيوتنا مكشوفة تماما لمواقع الجيش الاسرائيلي قبالتنا في مبنى النوتردام التاريخي، والمستشفى الفرنسي ، المحولان الى مواقع عسكرية اسرائيليه ، هبط السكان على عجل ورعب من الاعالي الى بيوت الدرج ! كل يحمل اطفاله يداريهم من زخ الرصاص المفاجىء ، ارادة الهية حمت سكان الحارة ! وخرج الجميع دون اصابات تذكر ، سوى اصابات نالت جدران الغرف واتلفت اثاث بعض البيوت !ربع ساعة من القصف ، مرت على ليل الحارة ، ادخلت رعبا وخوفا الى انفسنا لم نعشه ، خاصة نحن الصغار من لم نشهد حرب فلسطين ! بقينا في بيت الدرج حتى بزغت شمس نهارنا ، وهو نهار شكل مفصلا في وعينا وفكرنا .
ضباط كبار من جهاز الدفاع المدني قدموا في ساعات الصباح الباكرالى الحارة، حضروا للمعاينة ، سجلوا الخسائر ، ولم يستطيعوا تقديم اجوبة لاستفسارات كبار رجالات الحارة عن اسباب القصف ؟
قيل ان الملك حسين بات لاول مرة في قصره المنشىء حديثا في ضاحية بيت حنينا ، فارادت اسرائيل تذكيره ان القدس ليست له !
الواعون المسيسون فندوا هذه المزاعم بالنفي، كون القصر الملكي لم يكتمل بناءه بعد !
لكن الملك حسين وبحسب ما نشرته واكدته الصحف في اليوم التالي ، الملك حسين نام فعلا في فيلا مستأجرة على مقربة من القصر .
الاراء اجمعت على ان استهداف الحارة بالقصف هورسالة واضحة من اسرائيل للملك حسين .
بدء ت اجواء الحرب تسيطر على الاهالي، حيث بادر العديد منهم على الفور بتحصين البيوت ، باضافة الاباجورات والابواب الحديديه لتصد الرصاص .
حراك سياسي طفى على السطح ، نشط المسيسون في الحارة لتوعية السكان ، وكثر الحديث ، ليتغلب حديث الرجال في المقاهي على حديث الاناث في البيوت !
انقلاب في الحارة ، ومشاحنات بين المسيسين كل يفرض وجهة نظره السياسيه ، القوميون كانوا الاغلب ، فالشيوعيون ، وقليل من حركة الاخوان .
الاستاذ فريد القادم لتوة من مصر يتعرض لضرب مبرح على ايدي شباب قومين في مقهى ( مغيبو) فريد يشتم علانية الرئيس جمال عبد الناصر وكل القومين العرب !
غشيم قالت ام عيسى ! لا يعرف كم تحب الحارة عبد الناصر… صورة تزين جدران الغرف حتى السقف كيف يشتمه ؟
ظهر الاستاذ فريد لمرة واحدة في الحارة وعلامات الضرب بادية على وجهة، خطب خطبة الجمعة، في جامع الشيخ لولو وسط حشد من اطفال الحارة ، تلاميذ الكتاب ، ما اغضب بعض الاهالي ! كمنوا له في مقهى مغيبو عله يأتي ؟ الا انه لم يظهر البته قيل انه غادر الى السودان .
حزن وترقب في الحارة ، الى ما سيعقب الغارة الاسرائيلية ، هل هي مجرد مناوشات? ام سيليها ليالي قصف اخرى ؟ اوضاع اقتصادية سيئة بدأت تخيم على مناحي الحياة ، وتنغص على السكان عيشهم ، ما من مصانع او ورش تستوعب العمالة ، البطالة تتفشى في اوساط الخريجين ، مقهى مغيبو يمتلىء بالعاطلين عن العمل بل والوظائف ،الفقر سيد المشهد ، المظاهرات تعم القدس ، يصل لهيبها ذروته باستشهاد شابين على درجات بوابة العامود ، تأججت و استمرت الاحتجاجات اكثر، واتسعت حملة الاعتقالات .
بقي الوضع على حالة من التوتر لا امل بوجود مخرج للاحوال المترديه .
الحل عند البعض كان في السفر الجماعي لشباب الحارة ، للعمل في التدريس في الكويت والسعوديه .
شدوا الرحال وقد سنحت الفرصة بوجود وظائف في كلا البلدين ، خلت الحارة من النواة الصلبة للمسيسين والناشطين ، بقي الفتية والعمال المهنيون .
حزن وحسرة على من هجروا الحارة ، لا حاجة لعيون المخبرين ، من بقي لا يفهم بالسياسة ، يستمع الى الراديو ولا يفهم ما تقولة الاخبار ! فقط يفهمون ان الوضع على كف عفريت، وان الرئيس جمال عبد الناصر يستعد لخوض الحرب ، ويستعد للدفاع عن اي دولة عربيه قد تتعرض لاعتداء من اسرائيل .
اسرائيل تتحرش في الاردن وسوريا ، وتعلن عزمها عن تحويل مياه نهر الاردن اليها !
المياة شحيحة تكاد لا تكفي لسقاية البشر ، اسرائيل مش امصليه ولا على نبي ! يقول البسطاء ان تحدثوا في السياسة .
قرار مفاجىء للحكومة الاردنية ،يقضي بنقل كافة الصحف التي تصدر في القدس الى عمان ! ما يعني طرد العاملين بها الى الشارع وفقدانهم لمصدر دخلهم الوحيد.
حزن عم الحارة على الاسر وقد فقدت مصدر رزقها ، خمس عائلات كثيرة الاولاد تفقد رزقها في ظرف لحظه ! ليضاف الى هموم الحارة هموما اخرى .
حركة غير اعتيادية للجيش على الاسوار ، يصعدون الى اعالي السور يرقبون طائرة تحلق عاليا فوق القدس ، بتنا نشاهد الجنود يرتدون خوذاتهم باستمرار ، والنواظير لا تنزل من ايديهم ! فجأة شاهدناهم يطلقون النار من رشاش مضاد للطائرات صوب طائره ! وتعاد رشقات المضاد عدة مرات .
ثلاثة ايام من التصدي للطائرة ، انتهت بمظاهرة فرح عارمة اندلعت فجأة عند بوابة العامود شاهدنا خلالها احد الجنود محمولا على الاكتاف ، يهتفون لبطولته في اسقاط الطائرة ، ورجال الامن يمنعون التظاهرة من الخروج الى خارج الاسوار حيث الجيش الاسرائيلي يكشف الشوارع خارج السور .
تلت عملية اسقاط الطائرة التي لم نشاهد حطامها ، عملية تسلل اسرائيلية في المنطقة الحرام ! قيل أن اسرائليين تسللا ووصلا الى السور بهدف التسلق عند بوابة العامود فاطلقت النار عليهما ونزل الجنود اليهما بهدف الاعتقال .
احداث تتلاحق وما من احد يفسر لنا ما يحصل هل نحن مقبلون على الحرب ؟ لا استعدادات تشير الى ذلك ! المدفعية الوحيدة المنصوبة في ملعب الامريكان فوق بوابة الساهرة ما زالت وحيده ، ننظرها منذ كنا في كتاب الشيخة سند قبالتنا ، وقد اكل هيكلها الصدأ !
اعداد الجنود على الاسوار كما هي ، واحد في ثكنتة باعلى السور يرقب القدس الغربيه ، وواحد يرقب بمنظاره القدس الشرقيه قبالته ، حارة النصارى ، وحارة السعديه ، وجندي يأتي بالطعام بأوعية حديدية يحملها من ثكنة باب الخليل يتنقل بها عبر الاسوار ، وبقية الجنود عادة نشاهدهم يؤدون الصلاة جماعة ، اذن لا حرب تلوح في الافق !
في نهار جديد من ايام العام سته وستين ، وتحديدا في 2 تشري
المزيد